انتهت حقبة بوش وبزوالها يستعد السياسيون وكتبة الخطابات الرئاسية والمعلقون والصحفيون لوضع قاموس سياسي جديد لوصف العالم كما تراه الولايات المتحدة. في زمن بوش كان العالم غاية في البساطة: هم ونحن، الإرهابيون والطيبون، الحرية في مقابل الاستبداد، الأصدقاء والأعداء، المارقون والحلفاء، الفاشلون والناجحون. قسمت إدارة بوش العالم بشكل اتاح للرئيس التعامل مع قضايا غاية في التعقيد بشكل سهل على الرغم من انه ترك لسلفه عالما اشد تعقيدا عن أي وقت مضى.
وكان واضحا من خطاب الرئيس اوباما في حفل تنصيبه التاريخي انه هجر المصطلحات الكلاسيكية التي ارتكزت إليها سياسة بوش. وحاول اوباما أن يعيد لأميركا شيئا من غموضها ورومانسيتها باعتبارها دولة قيم قبل أن تكون قوة عظمى. سيعمل كتبة الخطابات طويلا على استنباط نعوت جديدة بدل تلك التي أمطرنا بها الرئيس بوش طيلة سنوات حكمه الثماني. ولذا فقد لا نسمع عن محور الشر مرة أخرى، وكذلك الأمر بالنسبة للدول المارقة وأعداء أميركا المتربصين بها.
إن الخطاب السياسي الراديكالي للولايات المتحدة هو ما وضع إدارة بوش في موقع فريد من بين من سبقوها في سدة الحكم بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها قبل نحو عشرين عاما. وفي تحليل مطول لخطاب اوباما أفردت صحيفة النيويورك تايمز مساحة كبيرة لملاحظات عدد من كتبة الخطابات الرئاسية ابتداء من نيكسون وانتهاء بكلينتون. كان تعليق معظمهم أن الرئيس ابتعد عن إطلاق المصطلحات النمطية وحتى التاريخية. ففي غياب الاتحاد السوفيتي لا وجود لإمبراطورية الشر، ومع انتهاء الحرب الباردة عاد الحديث عن التعاون بين دول الأطلسي لقيادة العالم. وبعد فشل سياسة احتواء إيران نجد تلميحا لحوار مفتوح مع طهران. وبعد كارثة تدمير العراق لم يتكلم الرئيس عن تحرير الشعوب ومنحها هدية الديمقراطية. وفي ظل الفشل العسكري المستمر في أفغانستان صرح الرئيس أن لا مشكلة بين أميركا والعالم الإسلامي.
إذن بدأ الخطاب يأخذ نهجا مختلفا، وبدأت التعابير التي سيطرت على عناوين الصحف وتصريحات المتحدثين الرسميين والوزراء في واشنطن لسنوات تنحسر رغم أن الظروف والتحديات والأزمات بقت على حلها أو ازدادت تعقيدا. لكن سنشهد إعادة تدوير لبعض المصطلحات لان السياسيين وكتبة الخطابات يبحثون دائما عن كلمات جديدة لوصف سياسة الرئيس. نعرف أن اوباما أكد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في وجه تهديدات الإرهابيين، ونعرف انه ردد نفس العبارات القديمة في وصف إسرائيل بأنها حليف لأميركا وان واشنطن لن تتخلى عن واجبها في حماية أمنها. ورغم أن اوباما أشار إلى معاناة الفلسطينيين إلا انه ترك مسافة شاسعة بين ما كنا نطمح إليه وبين ما هو دائم ومتواصل في نهج السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.
إن أي تغير محتمل في سياسة أميركا تجاه العرب والمسلمين والفلسطينيين لا بد وان تظهر دلالاته في طبيعة بناء الخطاب السياسي الرئاسي لغويا ولفظيا. حتى الآن لا إشارة إلى دول مارقة ومحاور شر والصراع بين الصالحين والطالحين. هذه الدلالات قد تعكس طبيعة الجدل الدائر داخل البيت الأبيض بين واضعي الاستراتيجيات وصانعي السياسات، ومن شأنها أن تنوه إلى التركيبة الايدولوجية للرئيس الجديد وطاقمه. من المهم الاستماع إلى ما يقوله اوباما في أيامه الأولى وبدل المسارعة إلى إطلاق الأحكام الانفعالية لا بد لنا من أن نتريث وان نستجيب بعقلانية، ولعلنا نغير أيضا من نهج خطابنا فبوش قد رحل وهناك طاقم جديد في البيت الأبيض.





