في قلعة اكايا التاريخية في جنوب ايطاليا عقدت في الأسبوع الماضي جلستا عصف فكري لإعلاميين من دول حوض المتوسط تحاوروا حول القضايا الرئيسية التي تشغل العاملين في قطاعي الصحافة المكتوبة والإعلام المرئي والمسموع في محاولة لإيجاد قواسم مشتركة. والتأم هذا الشمل على هامش المؤتمر الأول للسلام في حوض المتوسط الذي استضافته مدينة ليتشي السياحية المشهورة بقلاعها وأسوارها التي يعود تاريخها إلى القرون الوسطى.
وشارك في جلستي الحوار إعلاميون عرب وأوروبيين، وتدخلت السياسة وأحداث مومباي الدامية في مسار المداخلات لنجد أنفسنا مرة أخرى وقد انشغلنا بالأسئلة القديمة الجديدة التي توجه أصابع الاتهام نحو الإعلام المسيس وتتهمه بتشويه الآخر وتهميش القضايا المركزية.
بداية تركز الحديث حول دور الإعلامي وجدلية استقلال الصحافة وفرضية الانحياز للموضوعية في سرد الوقائع. وهنا طرحت أسئلة حول تواطؤ الإعلام الغربي مع المؤسسة السياسية وبخاصة في التمهيد لغزو العراق والترويج لاتهامات، تبين فيما بعد أنها باطلة، حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل. واعترف مشاركون أوروبيون بان سيطرة رأس المال على وسائل الاتصال الجماهيري وتحالف أباطرة الإعلام مع السياسيين يشكلان اليوم التحدي الأعظم لاستقلال الصحافة في الغرب.
وتلت صحفية إيطالية شهادتها حول حجم الخيبة التي تشعر بها حيث تفرض عليها سياسة تحريرية عامة تتدخل في قدرتها على تغطية الأحداث باستقلالية. وذكر مراسل إيطالي يعمل في الأراضي المحتلة كيف يختار المحررون عناوين الأخبار التي يرسلها فالفلسطيني الذي يقتله جيش الاحتلال على حاجز ليس ضحية وقلما يذكر اسمه وعمره بينما الإسرائيلي المسفوح دمه يعرف على انه مدني ويسرف المحرر في نقل تفاصيل تزيد من تعاطف القارئ معه.
وأشار إعلامي إيطالي مرموق إلى عنوان إحدى الصحف الإيطالية التي علقت على أحداث مومباي من خلال عنوان مثير حول "الوحش الإسلامي" الذي ضرب الهند، وأضاف أن مثل هذه الأساليب تسهم في تكريس الصورة النمطية للآخر. وعلقت بدوري على قدرة الإعلامي بان يقوم بدوره بنزاهة متجاهلا الحمولة السياسية والثقافية التي تؤثر على نظرته للغير. وأشرت إلى مؤامرة الصمت التي تسمح لإسرائيل بان تحاصر نحو مليون ونصف فلسطيني في واحدة من أبشع جرائم الحرب في الزمن الحاضر في الوقت الذي يتجاهل إعلام الغرب هذه الجريمة ويدير ظهره لها استجابة لموقف سياسي مبيت مناهض لحماس.
اكتشفنا أن هناك قواسم مشتركة تجمعنا كالحرص على صون استقلالية الإعلام والتأكيد على دوره في انسنة الآخر وفي محاربة حملات التشويه والتخويف، لكننا قلنا أننا نعيش همومنا الخاصة بنا أيضا والمتمثلة في حماية الصحفي وتوفير أجواء الحرية التي تمكنه من القيام بدوره في الرقابة وكشف المستور والوصول إلى الحقيقة.
في قلعة أكايا اتفقنا على ضرورة العودة إلى المبادئ الأساسية التي ترتكز إليها الصحافة الحرة والمستقلة في كل مكان. لكننا شعرنا جميعا أن هذه المهنة تتعرض اليوم لخطر كبير وانه كما في عالمنا العربي يواجه زملاؤنا في الغرب تحديات كبرى من شأنها أن تؤثر على مستقبل الإعلام والذي بدونه نفقد جميعا حقنا الطبيعي في التعبير.





