إنها حرب كئيبة! هذا هو الوصف الجديد للحرب الأميركية في العراق بعد أكثر من خمس سنوات على اندلاعها، وهو يقدم الوجه الآخر لمعضلة باتت تلقي بظلالها السوداء على كافة مناحي الحياة في امة لم تتعود ان تفقد الثقة بنفسها.
هذا ما تكشفه مئات المدونات التي ينشرها الجنود الأميركيون في العراق وأفغانستان. لقد أضحت هذه المدونات مرجعا شعبيا لوصف ما يعانيه آلاف المحاربين في مناطق النزاع بعد أن فقد معظم الأميركيين الثقة بوسائل الإعلام التقليدية، في حين تشير آخر استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من ستين بالمئة من الشعب الأميركي يعارضون الحرب في العراق ويؤيدون انسحابا سريعا.
تختلف حربا أفغانستان والعراق عن حروب أميركا السابقة من حيث تأثير وسائل الاتصالات الحديثة وما يسمى بالإعلام الجديد أو الويب من الجيل الثاني. ففضيحة سجن"ابو غريب" لم تكن لتصدم الرأي العام في أميركا والعالم لولا أن عددا من الجنود صوروا مناظر التعذيب المهينة على هواتفهم الجوالة ومن ثم نشروا هذه الصور على الشبكة العنكبوتية. فالصورة توازي ألف كلمة كما يقولون وهي تقدم الواقع مجردا وتترك موضوع تأويله للمشاهد.
وكذلك الأمر بالنسبة لكاميرات الفيديو الرقمية الصغيرة التي يحملها عدد كبير من الجنود ويقومون بتصوير مشاهد يومية من مهامهم في العراق وأفغانستان. وقد اعتمد المخرج بريان دي بالما في فيلمه الأخير عن واقعة اغتصاب طفلة عراقية وقتلها وعائلتها في قرية الحديثة قبل سنتين من قبل جنديين أميركيين على ما وثقته كاميرا فيديو صغيرة كان احد الجنود يستخدمها لتسجيل يومياته في العراق.
لكن لجوء آلاف الجنود الأميركيين الى إنشاء مدونات على الانترنيت لكتابة يومياتهم في مناطق النزاع هو التطور الأشد تأثيرا على الرأي العام في أميركا اليوم. هذه المدونات تحتوي على آلاف القصص والحكايات وتكشف عن أوجه غائبة عن أعين الإعلام التقليدي، وتقدم بكل تجرد روايات عن الكراهية والتعاطف والقلق والحيرة والحنين والغضب الذي يعتري هؤلاء الجنود/الرواة. وفي هذه المدونات يجد الباحث تجسيدا مخيفا لفكرة الحرب وما تفعله بعقول الشباب القادم من قارة بعيدة جغرافيا وزمنيا وثقافيا. ولا غرابة إذن أن ثلثي الذين خدموا في العراق وأفغانستان يعانون من أمراض نفسية مختلفة اقلها الكآبة.
السؤال الذي يتكرر في كثير من هذه المدونات هو: لماذا نحن هنا؟ وندرة هم من يرون في العراق أو أفغانستان بلدا يطيب الموت في سبيله. فالقتال من أجل الحرية والديمقراطية والحياة الرغيدة لا يعني الكثير بالنسبة للجنود المنتشرين في بغداد أو كابول. وفي رأي العديد منهم فان شعوب هذه البلاد برابرة لا يعرفون قيمة هذه الأشياء ولهذا فان الهروب من الغبار والحر ورائحة الموت هو كل ما يهم في نهاية الأمر.
لقد حاول عدد من مخرجي هوليوود استخدام هذه المدونات لتقديم روايات مغايرة عن ما يحدث في العراق وأفغانستان. لكن إقبال الجمهور الأميركي على هذه الأفلام كان فاترا. ويبدو أن أحدا لا يريد أن يدخل في تفاصيل حرب فقدت كل مبرراتها وجلبت على أميركا كابوسا لا نهاية له.
القصة الحقيقية لما يجري في العراق، على الأقل من وجهة نظر المحتل، لم ترو بعد، وكل ما لدينا هو مداخلات المدونين الجنود ويومياتهم في ساحة العراك، لكنها تشكل ثروة معرفية سيستغرق التنقيب فيها سنوات عديدة.
لقد كتب الأميركيون نحو خمسين كتابا عن حرب فيتنام، نشرت معظمها بعد انسحابهم بسنين. وفي اعتقادي فان حرب العراق، تلك الحرب الكئيبة التي عكرت مزاج أقوى دولة في العالم، ستفرز أضعاف ما أنتجته حرب فيتنام إعلاميا ولكن بعد حين، والفضل في ذلك سيعود إلى المدونين.





