ثلاثية إسرائيلية غير قابلة للنقض تشكل جوهر المطالب الفلسطينية وأساس المبادرة العربية ومجمل القرارات الدولية ناهيك عن ما سبق التوقيع عليه من اتفاقات وتفاهمات.
خطوط تسيبي ليفني الحمراء ليست كلاءات قمة الخرطوم الشهيرة، فإسرائيل تتوعد ثم تنفذ. هذه المحرمات التي طلبت وزيرة الخارجية الإسرائيلية من العالم أن يتفهم عدم قدرة بلادها على تجاوزها وذلك عشية أول لقاء بين ايهود اولمرت ومحمود عباس منذ أن اجتاح الجيش الإسرائيلي غزة في فبراير الماضي، تنسف عملية السلام من أساسها وتجعل من مفاوضات الحل النهائي فصلا مملا من مسرح العبث لبكيت.
وخطوط ليفني الحمراء تحسم مستقبل القدس لصالح المحتل وتمنع الانسحاب الى حدود 1967 أو القبول بحق اللاجئين في العودة. وبخلاف ذلك فان اولمرت لا يمانع في الجلوس الى مائدة التفاوض طالما أن الطرف الفلسطيني يملك من سعة الصبر وحسن النية الشيء الكثير.
لن يجد المرء عدوا أكثر صراحة ووضوحا من إسرائيل، لكن العرب الذين اتهموا يوما بأنهم لا يقرأون هم اليوم لا يسمعون. وفي الحقيقة فان تصريحات ليفني، التي تحاضرنا في الدوحة عن الديمقراطية والتجارة الحرة، لا يجب أن تشكل مفاجأة للعرب، فقد أتضحت معالم الموقف الإسرائيلي من الحل النهائي منذ سنوات، وبالتحديد منذ أن دفن شارون اتفاقات اوسلو فاجتاح الضفة وحاصر مقر الرئاسة ودمر المؤسسات الفلسطينية وباشر ببناء الجدار العازل وضم وادي الأردن وأطلق العنان لبناء وتسمين المستوطنات.
المشكلة ان العرب يجتزئون التصريحات والمواقف الإسرائيلية فيختاروا منها ما ينسجم مع المقدور من سياساتهم. فإسرائيل لا ترفض فكرة التفاوض من حيث المبدأ لكنها لا تعتبرها وسيلة بل غاية في حد ذاتها. وهي تجد الأعذار لتبرير سياسة الاستيطان التي لم تتوقف أبدا، ثم تضع الكرة في الجانب الآخر عندما تطلق مبادرات مهينة كتلك التي تتحدث عن حق يهود الدول العربية في التعويض كونهم لاجئين. وكذلك الأمر بالنسبة الى التصريحات التي تذكر بان إسرائيل هي وطن قومي لليهود مما يثير تساؤلات حول مصير نحو مليون ونصف عربي مواطن في الدولة العبرية.
وتؤمن إسرائيل بأنها تستطيع فرض تسوية من طرف واحد على الجانب الفلسطيني الذي يعاني من انقسام في غياب دعم عربي. لكنها لم تطرح بعد شكل هذه التسوية ولعلها تعيد النظر فيها كلما تأكد ضعف الموقف العربي واقترب موعد إخلاء إدارة بوش للبيت الأبيض.
اما المفاوضات الجارية حاليا فهي تدور حول الحواجز وانتشار الشرطة الفلسطينية وتحويل أموال الضرائب وإطلاق سراح المعتقلين والتزام السلطة بمكافحة الإرهاب المتمثل في كافة أشكال المقاومة. فإسرائيل تملك كل الأوراق، وهي التي تقرر فتح المعابر أو إغلاقها، وإزالة الحواجز أو تعزيزها، والسماح بدخول البضائع أو تركها لتفسد على نقاط الدخول. وفي أثناء ذلك كله فإنها ماضية في بناء المستوطنات في القدس الشرقية ومناطق استراتيجية أخرى في الضفة، كما أنها تضيق الحصار على غزة، وتداهم المدن الفلسطينية وتعتقل العشرات من النشطين باعتبار أن كل ذلك من حقها.
لاءات إسرائيل تحسم مصير المفاوضات وان استمرت لسنوات، والذين يعتقدون بأن السلام الشامل والعادل ممكن واهمون. وفي نهاية المطاف فان الجانب الفلسطيني لا يلام كثيرا على تمسكه بالمفاوضات فهو لا يملك خيارا آخر بعد أن تكرس الانقسام الداخلي وضعفت مؤسسات السلطة وتهمش دور منظمة التحرير وانشغل العرب بقضايا أخرى.





