أنت هنا: الصفحة الرئيسية سياسة نجاح يفضي الى فشل
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
البحث

أسامة الشريف

نجاح يفضي الى فشل

إرسال إلى صديق طباعة PDF

هي ليست افضل لحظات جهاز الموساد الذي طالما تباهت اسرائيل بتفوقه النوعي على غيره من اجهزة الاستخبارات في العالم. ما كان يعد عملية تصفية ثمينة ونظيفة لقيادي عسكري في حركة حماس تحول الى كابوس سياسي وفضيحة كبرى لاسرائيل ومفخرة اجهزتها الامنية. بل الانكى من كل ذلك فان اغتيال محمود المبحوح كشف الكثير من اسرار الموساد ونمط عمله وسلط الاضواء عليه،وهو ما لا ترغب به اية مؤسسة استخباراتية، وعرض عملاءه للمطاردة من قبل الانتربول.

 

اضافة الى الحرج الامني فان هناك المضاعفات السياسية التي قد تستمر آثارها لفترة طويلة. فجريمة الاغتيال تمت في دبي وهو اعتداء سافر على سيادة الامارات وقوانينها، كما ان العملاء استخدموا جوازات سفر بريطانية وفرنسية والمانية وايرلندية مزورة وانتحلوا شخصيات مدنيين على قيد الحياة واستخدموا بطاقات ائتمان صادرة عن بنوك اميركية. وفي كل يوم تظهر تفاصيل جديدة تزيد الأمر تعقيدا وتكشف المزيد من طرق عمل الموساد الملتوية.

 

المذهل في الأمر ان الموساد ارتكب اخطاء تكتيكية قاتلة باختياره لدبي مكانا لتنفيذ عملية الاغتيال. فالامارة تعد رائدة في استخدام تقنيات امنية متطورة وبخاصة كاميرات المراقبة الموزعة في كل مرفق وشارع وحتى في سيارات التاكسي. وراينا كيف استطاعت شرطة دبي ربط خيوط المؤامرة واعادة ترتيب مراحل العملية من لحظة وصول عصابة العملاء الاحد عشر الى المطار فالفندق مرورا باجتماعهم في سوق تجاري وتتبعهم لضحيتهم وحتى مغادرتهم الامارة. ولو تمت عملية الاغتيال في بلد آخر لربما فشلت الاجهزة الامنية في اقتفاء اثر القتلة او الكشف عن ملابسات الاغتيال بالشكل الذي رأيناه.

 

وقع عملاء الموساد في حبائل التكنولوجيا المتقدمة التي ساهم جهازهم السري بشكل أو بآخر في تطويرها واستخدامها. واسرائيل التي تعد نفسها شريكا رئيسا في الحرب على الارهاب سقطت في شراك وسائل محاربة الارهاب التي تتابع كل مسافر وتسجل صوره ومعلوماته وتحتفظ في ارشيفها ببصمة قرنيته ومعلومات بطاقات ائتمانه وتوزعها على حواسيب جبارة في انحاء العالم.

 

نجحت عملية الاغتيال لكن الثمن كان مكلفا وربما يطاح برؤوس كبيرة داخل الموساد وخارجه. اما التداعيات السياسية فانها ستتراكم داخل وخارج اسرائيل لان الاعلام لن يترك هذه القضية وحالها. وهناك بوادر ازمة ديبلوماسية مع اسرائيل في عواصم الدول المنتهكة سيادتها. وهناك اشخاص سرقت هوياتهم وزجت اسماؤهم في عملية اغتيال سياسي خطيرة.

 

لم يحدث ان سلطت الاضواء على الموساد بهذا الشكل منذ محاولة اغتيال القيادي الحمساوي خالد مشعل في عمان في عام 1997 والتي انتهت بشكل مذل لاسرائيل بسبب صلابة موقف الراحل الملك الحسين انذاك. في الحالتين كان نتنياهو رئيسا للوزراء وهو اليوم يتحمل مسؤولية فشل الموساد وانكشاف اسراره ومطاردة عملائه.

 

ما بدا على انه انجاز باهر من قبل الموساد تحول الى كابوس وفضيحة هزت اركان واحد من اكثر اجهزة التجسس شهرة ورهبة في العالم. كما ان عملية المبحوح تفتح ملف الاغتيال السياسي برمته وتضع اسرائيل، التي برعت في هذا النوع من التصفية الجسدية، تحت الاضواء امام الرأي العام العالمي.