أنت هنا: الصفحة الرئيسية سياسة بلير لا يعتذر!
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
البحث

أسامة الشريف

بلير لا يعتذر!

إرسال إلى صديق طباعة PDF

تابعت باهتمام وقائع استجواب رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير من قبل اعضاء لجنة "شيلكوت" المستقلة التي تبحث في خلفيات مشاركة بريطانيا في غزو العراق عام 2003 بهدف استخلاص الدروس وكشف الحقائق. ست ساعات مضنية قضاها بلير امام اللجنة التي شكلت قبل اشهر تحت عنوان عريض هو "لجنة التحقيق بشأن العراق" حيث نقلت فضائيات غربية مقتطفات مطولة من وقائع الاستجواب التاريخي.

 

وباستثناء "الجزيرة" الناطقة بالعربية والانجليزية فان باقي الفضائيات العربية الاخبارية تجاهلت الحدث ولم تتعرض له الا من خلال نشراتها الدورية. ان يمثل رئيس وزراء سابق لواحدة من اهم دول العالم امام لجنة تحقيق في حرب خلافية شنت على بلد عربي وراح ضحيتها اكثر من نصف مليون عراقي، على الاقل، ولا يعتبر ذلك خبرا يستحق المتابعة من الفضائيات العربية، فان ذلك يعد تقصيرا من الاعلام العربي.

 

كان حدث مثول بلير امام لجنة التحقيق الخبر الاهم  دوليا في ذلك اليوم بلا شك. فالتساؤلات حول قانونية شن الحرب والاطاحة بنظام الحكم في العراق واحتلال اراضيه ووجود ادلة على مؤامرة مبيتة بين واشنطن ولندن حتى قبل هجمات سبتمبر الارهابية ضد العراق لا تزال تثير جدلا واسعا بين اوساط السياسيين والاعلاميين وقادة الرأي العام في بريطانيا حتى يومنا هذا. وشكلت شهادة بلير مدخلا جديدا للاجابة على بعض التساؤلات وضحد بعض الاتهامات وتفنيد بعض المزاعم.

 

وعلى الرغم من ان لجنة "شيلكوت" ليست مخولة بتوجيه التهم او اتخاذ قرارات ملزمة للحكومة أو البرلمان البريطانيين، فانها تمثل نموذجا مفقودا عندنا في الشرق في المساءلة وتقصي الحقائق واحترام الرأي العام وتطبيق القانون والالتزام بمبادئ الديمقراطية دون مواربة أو تواطؤ او مهادنة. كنت اتمنى ان يشهد اكبر عدد من العرب مجريات الاستجواب حتى ولو لم يكن الموضوع العراق واحتلاله، وانما للاطلاع على تقليد ديمقراطي يعد عاديا في الغرب لكننا نفتقده في بلادنا.

 

وفي المقابل فان افادة بلير استفزت الرأي العام البريطاني، سواء في الاعلام أو بين اوساط الناس. فالرجل لم يبد ندما ولم يقدم اعتذارا عن قراره الزج ببريطانيا في حرب خلافية يعتقد معظم البريطانيين انها كانت غير قانونية، وان رئيس الوزراء انذاك خدع شعبه وممثليه بالتأكيد مرارا على امتلاك العراق لاسلحة دمار شامل والزعم بانه كان يشكل خطرا على سلامة وأمن العالم. بدا بلير متشنجا ومتوترا وهو يرد على اسئلة تتعلق بموقفه من الاستشارة القانونية الاولية التي قدمها له اللورد غولدسميث، النائب العام للحكومة انذاك، والتي قال فيها ان قرار مجلس الأمن 1441 لايعطي الحق لبريطانيا شن حرب على العراق ونصح رئيس الوزراء باستصدار قرار ثان.

 

وفصل بلير كيف تغير موقف غولدسميث بعد فشل بريطانيا واميركا في مجلس الأمن، وبعد زيارة الاخير الى اميركا في نهاية عام 2002، ليؤيد بعدها موقف واشنطن من أن القرارات السابقة بحق العراق، وخاصة قرار رقم 678، بمجملها تعطي الحق باستخدام القوة في حال فشل حكومة بغداد في التجاوب مع شروط هانز بليكس، رئيس لجنة نزع الاسلحة الاممية. وكان ان افتى بلير باخفاق صدام حسين في الاستجابة لشروط بليكس ومن ثم بات الباب مفتوحا لشن الحرب.

 

شهادة بلير كشفت فشل كل من بريطانيا واميركا في التعامل مع حقائق ما بعد سقوط نظام حسين من انفجار الفلق السني-الشيعي ودور ايران في استقطاب الاحزاب والحركات الشيعية العراقية ودخول تنظيم القاعدة الى العراق ليصبح أحد اهم اللاعبين على الساحة. اعتراف يشير الى قصور في قراءة المشهد العراقي والى ما يشبه السذاجة السياسية التي اكدها بول بريمر بقراره اجتثات البعث وحل الجيش العراقي بعد اسابيع قليلة على سقوط بغداد.

 

اسوأ ما في شهادة بلير كان تأكيده على ان على الغرب التعلم من اخطاء التخطيط لغزو العراق بحيث يكون مستعدا بشكل افضل في المستقبل! وكأنه وبعد موت اكثر من نصف مليون عراقي وتشريد الملايين وتدمير مقدرات دولة وانكشاف فظائع ابوغريب وغيرها، يحضر الغرب لغزو آخر.  لم يعترف بلير بخطئه ولم يبد ندما لقراره الزج ببريطانيا في حرب غير شرعية.  بل اصر على صواب قراره مدعيا بأن العراقيين هم اليوم افضل حالا وأن العالم بات اكثر أمنا بعد زوال نظام صدام حسين. 

 

سقط بلير شعبيا وخرج العشرات من المحللين والوزراء السابقين ليتهموه بالكذب وبتضليل الرأي العام. ورغم انه في منأى عن الدعوات لملاحقته قضائيا، حتى الآن، الا انه فشل في انعاش مستقبلة السياسي وتحقيق طموحه بالفوز بترشيح بلاده لمنصب رئيس اوروبا.